في زمن ازدحمت فيه الشاشات بالضوضاء، وامتلأت المنصات بالصخب، ظهر برنامج «دولة التلاوة» كجرعة نقاء تعيد ترتيب الروح، وتذكّر الناس إن القرآن مش مجرد كلمات تُقرأ… بل دولة كاملة تُقام داخل القلوب قبل أن تُقام على الأرض. البرنامج قدر يصنع حالة مختلفة وعظيمة من السكينة والرهبة والحنين لأيام المدرسة المصرية الأصيلة في التلاوة، الأيام اللي كانت أصوات الشيوخ فيها تهزّ الوجدان قبل الجدران.
من أول لحظة، تحس إن البرنامج معمول بحب. الإنتاج محترم وراقي من غير مبالغة، الإخراج هادي وكلاسيكي يليق بالقرآن، والإضاءة والصوت معمولين بدقّة تخدم معنى الترتيل مش تسرقه. لكن الأجمل من الشكل… هو الجوّ الروحاني اللي بيغلف كل حاجة. تحس إن الكل—لجنة، متسابقين، جمهور—جايين للمكان ده بنية طيبة، كأنهم مجتمعين على مائدة واحدة اسمها القرآن.
وجود الداعية مصطفى حسني في لجنة التحكيم إضافة استثنائية. الراجل عنده قدرة مش بسيطة على احتواء المتسابقين، على دعْمهم وتشجيعهم بكلمة تشيل عنهم رهبة الوقوف على المسرح. حضوره فيه طاقة نور، وبيخلق توازن جميل بين الجانب العلمي اللي بيتابعه المتخصصون، والجانب الإنساني اللي بيلمّس قلب المشاهد. تحس إن البرنامج محتاج شخص بالطبعة دي… شخص يسمعك قبل ما يحكم عليك.
أما المتسابقون… فهم الحكاية الأجمل. شباب من كل المحافظات، كل واحد فيهم داخل وهو شايل صوته كأمانة، وواقف على المسرح وهو عارف إنه بيقدم أعظم كلام نزل من السماء. الأصوات دي مش مجرد خامات جميلة، دي أرواح بتتجلّى. فيه اللي صوته بيفكرك بالمنشاوي، واللي فيه رنّة الطبلاوي، وفيه اللي هدوءه يشبه الحصري… لكن كل واحد عنده بصمته الخاصة. البرنامج كشف لنا كنوز مكنّاش نعرف إنها موجودة.
ولأن النجاح الحقيقي مش مجرد جائزة، البرنامج قدّم حاجة أكبر بكتير: إعادة إحياء مدرسة التلاوة المصرية، المدرسة اللي علّمت العالم العربي كله إزاي يُتلى القرآن بخشوع وذوق وفن. «دولة التلاوة» مش بس برنامج… ده مشروع ضخم يعيد مكانة القرّاء المصريين، ويجمع بين التراث والحداثة بشكل راقي ومحترم.
والأجمل إن البرنامج بقى حالة عامة في الشارع والبيوت، الناس بقت تستنى الحلقات، والمقاطع تنتشر على السوشيال ميديا، والمقارنات بين الأصوات ترجع تاني، وكأننا رجعنا لأيام ما كان صوت الشيخ عبد الباسط يفتح بيوت كاملة على صمت وسكينة. فجأة، بقى في شغف لسماع القرآن… مش مجرد سماع، بل تذوّق وتعمّق وانبهار.
«دولة التلاوة» أثبت إن المحتوى المحترم لسه قادر يكسب الترند، وقادر يجذب الناس من غير صخب ولا مشاهد مفتعلة ولا استعراض.. وأثبت إن مصر مازالت ولازالت مصنع الأصوات الذهبية اللي تهزّ القلوب قبل الآذان.
البرنامج مش بس جميل… ده مهم. ومش بس مؤثر… ده علامة من علامات استعادة الهوية. ونجاحه الحقيقي مش في أرشيف الحلقات، بل في الدموع اللي بتنزل من غير ما المشاهد يحس، وفي القلوب اللي بترجع تفتّح باب الذكر بعد ما كان مقفول.
دولة التلاوة… دولة في القلوب قبل الشاشات. دولة بناها القرآن… وعمّرها أهل القرآن.







