قال الدكتور عبد الرحمن طه خبير الاقتصاد الرقمي إن البيانات الصادرة عن الاقتصاد الأرجنتيني خلال أكتوبر ونوفمبر 2025 تعكس مرحلة «استقرار هش» لكن يحمل في طياته إشارات تحسّن تدريجي في المزاج الاستهلاكي وقدرة الاقتصاد على مقاومة الضغوط التضخمية، رغم استمرار التحديات في الميزان التجاري واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات.
وأوضح طه أن مؤشر ثقة المستهلك الأرجنتيني قفز 8.79% في نوفمبر 2025 ليصل إلى 46.04 نقطة مقارنة بـ42.32 نقطة في أكتوبر، ليسجل بذلك أعلى قراءة منذ يوليو، مشيرًا إلى أن هذا الارتفاع مدفوع بانتعاش جميع المكوّنات الفرعية للمؤشر؛ إذ ارتفع مؤشر السلع المعمّرة والعقارات بنسبة 10.42%، وتحسّن تقييم الأفراد لأوضاعهم الشخصية بنسبة 6.42%، بينما صعدت النظرة للاقتصاد الكلي بنحو 9.86%. كما تقدّم مؤشر الظروف الحالية 8.19%، وارتفع مؤشر التوقعات المستقبلية 9.19%، في حين تباين الأداء إقليميًا مع انخفاض طفيف في مدينة بوينس آيرس بنسبة 1.01% مقابل ارتفاع كبير في ضواحيها 12.73% وفي بقية الأقاليم 7.40%. وأضاف طه أن المؤشر ارتفع منذ قاعه في يناير 2024 بنحو 29.3%، لكنه ما يزال أقل من ذروة يناير 2025 بفارق 2.83%، في حين أنه أعلى بحوالي 2.28% على أساس سنوي، وهو ما يعكس بداية تحسّن حقيقي في ثقة المواطنين رغم الأوضاع المالية المتوترة.
وأشار طه إلى أن تحسن الثقة يأتي بالتوازي مع استمرار تباطؤ التضخم السنوي، حيث سجلت الأرجنتين معدل تضخم سنوي عند 31.3% في أكتوبر 2025 وهو الأدنى منذ يوليو 2018، بينما بلغ التضخم الشهري 2.3% مقارنة بـ2.1% في سبتمبر. وأوضح أن وتيرة الأسعار ما زالت مرتفعة في قطاعات النقل 3.5% والملابس 2.4% والفنادق والمطاعم 2.2%، في حين تباطأت في التعليم والصحة والإسكان، وهو ما يعطي صانعي السياسات فرصة لضبط السياسة النقدية تدريجيًا دون تعريض الاقتصاد لصدمة انكماشية.
وأضاف طه أن التحدي الأكبر يتمثل في الميزان التجاري؛ إذ انخفض فائض التجارة الأرجنتينية إلى 800 مليون دولار في أكتوبر 2025 مقارنة بـ912 مليون دولار قبل عام، بعد ارتفاع الواردات 16.9% إلى 7.15 مليارات دولار، مقابل زيادة الصادرات 13.1% إلى 7.95 مليارات دولار. وأشار إلى أن الواردات ارتفعت بصورة لافتة في السلع الاستهلاكية (+48.8%) والسيارات (+69.2%) ورأس المال (+20%)، بينما استفادت الصادرات من قفزة كبيرة في المنتجات الأساسية (+63.8%)، رغم تراجع الصناعات الزراعية (-3.5%). وذكر أن فائض الميزان التجاري التراكمي منذ بداية العام وحتى أكتوبر بلغ 6.846 مليارات دولار مقارنة بـ15.969 مليار دولار في 2024، ما يعكس انكماشًا كبيرًا في قدرة الأرجنتين على تكوين فوائض خارجية.
وأكد طه أن القراءة المتوازنة تُظهر اقتصادًا في حالة تحسّن من جانب الطلب المحلي وتخفّف في الضغوط التضخمية، لكنها في الوقت نفسه تكشف ضعف القدرة الإنتاجية مقارنة باحتياجات السوق، مما يدفع الواردات إلى الصعود بوتيرة أسرع من الصادرات. وأشار إلى أن استدامة التعافي تتطلب تحسين شروط التمويل، وضبط أوضاع المالية العامة، وتوسيع قاعدة التصدير، خصوصًا في الصناعات التحويلية والزراعة ذات القيمة المضافة العالية.
واختتم طه تصريحه بالقول إن «الأرجنتين تدخل مرحلة يمكن وصفها بفرصة قصيرة الأجل قبل استحقاقات الديون القادمة»، موضحًا أن مزيجًا من تباطؤ التضخم، وارتفاع ثقة المستهلك، وتوسع الصادرات الأساسية يضع البلاد على بداية مسار تعافٍ، لكنه مسار هش يتوقف على نجاح الإصلاحات الهيكلية، وقدرة الدولة على معالجة فجوة التجارة ومنع عودة دوامة التضخم خلال النصف الثاني من 2026.





